الغزالي

78

إحياء علوم الدين

بذاته القيوم بنفسه ، كما أن قوام نور الأجسام بنور الشمس المضيئة بنفسها . ومهما انكشف بعض الشمس فقد جرت العادة بأن يوضع طشت ماء حتى ترى الشمس فيه ، ويمكن النظر إليها ، فيكون الماء واسطة يغض قليلا من نور الشمس حتى يطرق النظر إليها . فكذلك الأفعال واسطة نشاهد فيها صفات الفاعل ولا نبهر بأنوار الذات بعد أن تباعدنا عنها بواسطة الأفعال فهذا سر قوله صلى الله عليه وسلم « تفكَّروا في خلق الله ولا تتفكَّروا في ذات الله تعالى » بيان كيفية التفكر في خلق الله تعالى اعلم أن كل ما في الوجود مما سوى الله تعالى فهو فعل الله وخلقه . وكل ذرة من الذرات من جوهر وعرض وصفة وموصوف ففيها عجائب وغرائب تظهر بها حكمة الله وقدرته ، وجلاله وعظمته . وإحصاء ذلك غير ممكن ، لأنه لو كان البحر مدادا لذلك لنفد البحر قبل أن ينفد عشر عشيره . ولكنا نشير إلى جمل منه ليكون ذلك كالمثال لما عداه فنقول : الموجودات المخلوقة منقسمة إلى ما لا يعرف أصلها فلا يمكننا التفكر فيها ، وكم من الموجودات التي لا نعلمها كما قال الله تعالى * ( ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ) * « 1 » * ( سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ ومن أَنْفُسِهِمْ ومِمَّا لا يَعْلَمُونَ ) * « 2 » وقال * ( ونُنْشِئَكُمْ في ما لا تَعْلَمُونَ ) * « 3 » وإلى ما يعرف أصلها وجملتها ولا يعرف تفصيلها ، فيمكننا أن نتفكر في تفصيلها . وهي منقسمة إلى ما أدركناه بحس البصر ، وإلى ما لا ندركه بالبصر أما الذي لا ندركه بالبصر فكالملائكة ، والجن ، والشياطين ، والعرش ، والكرسي ، وغير ذلك ، ومجال الفكر في هذه الأشياء مما يضيق ويغمض ، فلنعدل إلى الأقرب إلى الأفهام وهي المدركات بحس البصر ، وذلك هو السماوات السبع ، والأرض ، وما بينهما . فالسماوات مشاهدة بكواكبها ، وشمسها ، وقمرها ، وحركتها ، ودورانها في طلوعها وغروبها . والأرض مشاهدة بما فيها من جبالها ، ومعادنها ، وأنهارها ، وبحارها ، وحيوانها ، ونباتها . وما بين السماء والأرض وهو الجو مدرك بغيومها ، وأمطارها ، وثلوجها ، ورعدها ، وبرقها ،

--> « 1 » النحل : 8 « 2 » يس : 26 « 3 » الواقعة : 61